محمد جواد مغنية
321
في ظلال نهج البلاغة
المعنى : ( اللهم صن وجهي باليسار ، ولا تبذل جاهي بالإقتار ) . صيانة الوجه حفظه من التعرض للسؤال ، وقديما قيل : السؤال ذل ولو أين الطريق . وبذل الجاه السقوط عن درجة الاعتبار والاحترام . وليس من شك ان الفقر سبب للمزيد من هذا السقوط والانهيار . وفي الحديث : الفقر الموت الأحمر . وقال الإمام : الفقر يخرس الفطن عن حجته ، والمقلّ غريب في بلدته . . الفقر في الوطن غربة . . الفقر الموت الأكبر . . الفقر منقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت . . وقال الإمام جعفر الصادق : ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال : رقة في دينه ، وضعف في عقله ، وذهاب في مروءته . . ولذا كان النبي ( ص ) يكرر القول في دعائه : اللهم ارزق محمدا وآل محمد الكفاف والعفاف . وإنما كان الفقر رقة ومنقصة في الدين لأن النفس إذا احتاجت تعرضت لما لا يجوز ، ودخلت مداخل الشر والسوء ، وإذا أحرزت قوتها سكنت واطمأنت . ومن هنا كان السعي للرزق دينا ، والتدبير عقلا . وتقدم الكلام عن ادواء الفقر وأثره في المجتمع في شرح الخطبة 124 و 127 . ( فاسترزق طالبي إلخ ) . . الإمام لا يسترزق ولا يستعطف مخلوقا على الاطلاق ، ومهما كانت الظروف وتكون ، ولا يمدح من لا يستحق المدح ، وان أعطاه الدنيا بكاملها ، ولا يذم من هو أهل للمدح ، وان أساء لشخصه . . ولكنه أراد التعريض بمن يمدح ويقدح على أساس المنفعة والمصلحة الخاصة . والجدير بالإشارة ان هذا الدعاء ورد بالحرف الواحد في الصحيفة السجّادية للإمام زين العابدين حفيد الإمام أمير المؤمنين ، وهو قطعة من الدعاء المعروف بمكارم الأخلاق . وبعد ، فإن الاسلام يرى الفقر موتا وكفرا ، وبؤرة لكل رذيلة وجريمة ، ولذا أعلن الثورة عليه وعلى الاحتكار ، وعلى كل نظام أو عمل يؤدي إلى الاستغلال والإفقار .